طوفان الأقصى : بين الخسائر والأهداف - جدلية النصر والهزيمة

الرؤية الناقدة: خسائر لا تُبرر بأي معيار

الطوفان، الذي أُطلق عليه اسم "طوفان الأقصى"، خلّف دمارًا شاملًا في غزة من الشمال إلى الجنوب. أكثر من 50 ألف شهيد نحسبهم عند الله، وما يزيد عن مليوني غزّاوي بلا عمل أو مأوى.
هذه الأرقام القاسية تعيد طرح السؤال: كيف يُعتبر هذا نصراً؟
يتساءل النقاد: ما الذي تغيّر على الأرض؟

  • وقف إطلاق النار: كان مسبوقًا بهدوء نسبي قبل العملية.
  • إعادة إعمار القطاع: القطاع كان مستقرًا نسبياً قبل الحرب.
  • انسحاب الاحتلال من غزة: الاحتلال لم يكن متواجدًا في القطاع فعلياً منذ سنوات.
  • استمرار حماس في السلطة: السلطة كانت بيدها قبل الطوفان.

يرى هذا الطرح أن الطوفان لم يحقق أهدافًا ملموسة تبرر حجم الخسائر البشرية والمادية، بل زاد معاناة السكان الفلسطينيين. ومن هنا، يُعتبر "طوفان الأقصى" في نظر البعض طوفانًا ضد غزة نفسها.

الرؤية المؤيدة: النصر يُقاس بالأهداف البعيدة المدى

على الجانب الآخر، يرى مؤيدو العملية أن النصر الحقيقي لا يُقاس فقط بالخسائر، بل بتحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى:

  1. ضرب المشروع الاستيطاني: نزوح حوالي 750 ألف مستوطن، مما يُعتبر ضربة قوية للبنية الديمغرافية للمشروع الصهيوني.
  2. وقف موجات الاستيطان: العملية أوقفت الزحف الاستيطاني المحتمل لعقدين قادمين في أقل تقدير.
  3. تجميد مسار التطبيع: العديد من الدول التي كانت على وشك التطبيع مع الكيان الصهيوني أعادت التفكير في خطواتها، مما عزز عزلة الكيان على الساحة الدولية.
  4. ضرب صورة الاحتلال عالمياً: تصاعدت الإدانات الدولية، وصدرت مذكرات اعتقال ضد قادة الاحتلال، مما زاد من عزلتهم على المستوى السياسي والقانوني.
  5. مشروع دولة الاحتلال على المحك: بات المشروع الصهيوني برمّته في خطر نتيجة لتصدع الثقة الداخلية والخارجية.

الرد على الانتقادات: دروس من التاريخ

يدعم أنصار الطوفان حججهم بوقائع من التاريخ.

  • الجزائر: خسرت أكثر من مليون شهيد في حربها مع فرنسا، لكن النتيجة كانت الاستقلال.
  • روسيا: دفعت ثمنًا باهظًا خلال الحرب العالمية الثانية (20 مليون قتيل)، لكنها خرجت كإحدى القوى العظمى.

وفق هذه الرؤية، فإن خسائر غزة تُعتبر تضحية لا بد منها لإحداث تحول استراتيجي. الهدف الأساسي لم يكن تحرير الأقصى فورًا، بل خلق واقع جديد يجعل مشروع الاحتلال مكلفًا وغير قابل للاستمرار.

الخلاصة: جدلية لا تنتهي

في النهاية، يبقى الجدل قائمًا بين من يركزون على الخسائر وبين من ينظرون للأهداف.

  • المعارضون يرون أن الطوفان زاد معاناة الشعب الفلسطيني ولم يحرز تقدمًا مباشرًا.
  • المؤيدون يعتبرونه خطوة استراتيجية نحو تقويض المشروع الصهيوني على المدى الطويل.

النصر والهزيمة ليسا مفاهيم مطلقة، بل تتغير دلالتهما حسب الأهداف والغايات. من هذا المنطلق، الطوفان ليس نهاية الصراع، بل مجرد محطة فيه.